ابن عجيبة

603

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر خروجه من السجن وتمكينه من الملك ، فقال : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 50 إلى 57 ] وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ( 50 ) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ( 51 ) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ( 52 ) وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 53 ) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ( 54 ) قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ( 55 ) وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 56 ) وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 57 ) يقول الحق جل جلاله : ولما جاء الرسول من عند يوسف بالتعبير ، وسمعه الملك ، تعجب منه ، واستعظم علمه وعقله وقال : لا ينبغي لمثل هذا أن يسجن ، ائْتُونِي بِهِ ، فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ ليخرجه ، قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ : ما شأنهن حتى قطعن أيديهن ، وهل رأين منى ميلا إليهن . وإنما تأنى في الخروج ، وقدّم سؤال النسوة ، والفحص عن حاله ؛ ليظهر براءة ساحته ، وليعلم الملك أنه سجن ظلما ، فلا يقدر الحاسد أن يتوسل به إلى تقبيح أمره . وفيه دليل على أنه ينبغي أن يتقى مواضع التهم ، ويجتهد في نفيها ، وفي الحديث : « من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يقفنّ مواقف التّهم » . وفيه دليل على حلمه وصبره ، وعدم اهتباله بضيق السجن ؛ إذ لم يجب الداعي ساعة دعى بعد طول سجنه . ومن هذا المعنى تواضع معه نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال : « لو لبثت في السّجن ما لبث يوسف لأجبت الدّاعى » « 1 » . ولم يذكر امرأة العزيز كرما ، ومراعاة للأدب ، ورعيا لذمام زوجها ، وسترا لها . بل ذكر النسوة اللاتي قطعن أيديهن .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( تفسير يوسف - باب فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك . . . ) عن أبي هريرة رضى اللّه عنه .